مصطلحات وعادات عشائرية

مصطلحات وعادات عشائرية

                                                                                                                                         بقلم مجلس عشيرة بني دومي

طريقةُ تَقديمِ القَهوَةِ العَرَبِيَّةِ

 

على مَن يقومُ بتقديمِ القهوةِ (صَبَّابِ القهوةِ) أنْ يُمسِكَ الدَّلَّةَ بِيَدِهِ اليُسرى، والفناجينَ بِيَدِهِ اليُمنى، وأنْ يقِفَ احترامًا وتقديرًا للضَّيفِ. ويبدأُ بصَبِّ القهوةِ وهو واقفٌ، ثُمَّ يمدُّ الفِنجانَ بِيَدِهِ اليُمنى. وعلى الضَّيفِ أنْ يُصَحِّحَ جِلسَتَهُ ويتناوَلَ الفِنجانَ بِيَدِهِ اليُمنى أيضًا.

وفناجينُ القهوةِ ثلاثةُ أنواعٍ، وهي:  فِنجانُ الضَّيفِ – فِنجانُ الكَيفِ – فِنجانُ السَّيفِ، وتسبقُها عادةً فِنجانُ الهَيفِ، وإليكَ – عزيزي القارئ – تعريفَ كلِّ نوعٍ منها:

 

 

🔹فِنجانُ الهَيْفِ:

على المُضيفِ أنْ "يَهِيفَ" أيْ يشربَ الفنجانَ الأوَّلَ من دَلَّةِ القهوةِ أمامَ الضيفِ، ليطمئنَّ إلى أنَّ القهوةَ جيِّدةٌ وصالحةٌ، وليُطمئِنَ الضيفَ بأنَّها خاليةٌ من أيِّ خديعةٍ – كالسُّمِّ مثلًا.

 

🔹فِنجانُ الضَّيفِ:

يُصَبُّ للضيفِ ليشربَهُ على اعتبارهِ ضيافةً واجبةً، وهو بمثابةِ "العَيشِ والمِلحِ" أي عَلاقةِ المودَّةِ والممالحةِ بين المُضيفِ والضيفِ.

 

🔹فِنجانُ الكَيْفِ:

هو الفنجانُ الذي يُقدَّمُ للضيفِ لِمَزيدٍ من المتعةِ والمزاجِ الطيِّبِ، وهو خاصٌّ بالكَيفِ والسعادةِ والنشوةِ.

 

🔹فِنجانُ السَّيْفِ:

هو الفنجانُ الذي يُقدَّمُ للضيفِ رمزًا للعَهدِ بالمُشاركةِ في الحمايةِ والدِّفاعِ، فإذا جاءَ قومٌ غُزاةٌ على العشيرةِ، فعلى الضيفِ أنْ يَمشُقَ سيفَهُ ويُقاتِلَ معهم، لأنَّ "فنجانَ السيفِ" يُعتَبَرُ توقيعًا على الدِّفاعِ المشتركِ، وهو دلالةٌ على القُوَّةِ والعِزَّةِ والشَّرَفِ والكرم. وإذا كانَ الضيوفُ أكثرَ من واحدٍ أو اثنينِ أو ثلاثةٍ مثلًا، وكانوا جميعًا من الشيوخِ ومن مستوى واحدٍ، فعلى المُضيفِ أنْ يُحضِرَ ثلاثةَ رجالٍ ليَصُبُّوا القهوةَ لهم في آنٍ واحدٍ، ثمَّ إلى بقيَّةِ المَعازيم. أمَّا إذا لم يكُنْ هناكَ ضيوفٌ من خارجِ العشيرةِ، وكانوا من أهلِها، فتُقدَّمُ القهوةُ أوَّلًا إلى أكبرِهم سِنًّا، لأنَّ العربَ يُكرِمونَ السِّنَّ ويَحترِمونَهُ، أو تُقدَّمُ إلى الشَّيخِ أو إلى أكرمِ القومِ، ثمَّ إلى أفْرَسِهم. فالقهوةُ تُقدَّمُ "خَصّ نَصّ" للوجه او كبيرُ الضيوف او الجاهةِ  (أي على التَّحديد والترتيب)، أمَّا الشاي فيُقدَّمُ "قَصّ أَيْ" أي من اليَمينِ إلى اليَسارِ.

 

مصطلحات عشائرية

 

🔹الجاهَةُ:

هي مجموعةٌ من أفرادِ عشيرةٍ واحدةٍ، يرأسُها شيخُ العشيرةِ أو أحدُ الوجهاءِ المعروفينَ بالأخلاقِ والاستقامةِ والنزاهةِ. تسعى هذه الجاهةُ إلى عقدِ هُدنةٍ زمنيّةٍ بين عشيرتينِ وقعَ بينهما خِلافٌ لسببٍ ما، ثمَّ تعملُ بعدَ انتهاءِ مدةِ الهدنةِ على إجراءِ مراسيمِ الصُّلحِ بينهما.

 

🔹فَورَةُ الدَّم:

هي التصرُّفاتُ الانفعاليَّةُ التي تصدُرُ عن أحدِ أفرادِ العشيرةِ بعدَ الاعتداءِ على أحدِ أبناءِ عشيرتِه، طلبًا للانتقامِ أو للثأرِ. ولذلك فإنَّ الإسراعَ في أخذِ "العَطوة" يصبحُ أمرًا مُلحًّا وضروريًّا، وقد تستدعي الحالةُ إجراءَ "الجَلوة" كما هو الحالُ عند وقوعِ جريمةِ قتلٍ.

 

🔹الجَلوَةُ:

عند وقوعِ خلافٍ أو اعتداءٍ بين عشيرتينِ يؤدّي إلى القتلِ أو إلى اعتداءٍ على العِرضِ (كالاغتصابِ مثلًا)، تقومُ العشيرةُ الأخرى فورًا بترحيلِ أفرادِ عشيرةِ المعتدي إلى منطقةٍ أخرى بعيدةٍ، إمّا تحتَ حمايتِها، أو تحتَ حمايةِ عشيرةٍ ثالثةٍ (غالبًا لا تكونُ من القبيلةِ نفسِها). ويُطلَقُ على هذا الترحيلِ اسمُ "الجَلوة". وتُعَدُّ الجلوةُ من الأعرافِ الراسخةِ في المجتمعِ العشائريِّ الأردنيِّ، وتُنفَّذُ رغمَ صعوبتِها حفاظًا على الأرواحِ والممتلكاتِ، ولمنعِ وقوعِ الثأرِ.

 

🔹العَطوَةُ:

هي المدَّةُ الزمنيّةُ (الهُدنة) التي تمنحُها الجهةُ المُعتدى عليها، بموجبِ وثيقةٍ مكتوبةٍ أمامَ رئيسِ الجاهةِ وأعضائِها، وتتعهَّدُ خلالها بعدمِ الاعتداءِ على الطرفِ المعتدي إلى أنْ تُستكملَ مراسيمُ الصُّلحِ النهائيِّ بإشرافِ الجاهةِ.

 

🔹صَكُّ العَطوَةِ:

هو الوثيقةُ التي يُدوِّنُ فيها رئيسُ الجاهةِ وعددٌ من أعضائِها البنودَ التي تمَّ الاتفاقُ عليها بين الجاهةِ وشيخِ العشيرةِ المعتدى عليها. ويُوقَّعُ الصكُّ من ممثّلينَ عن الطرفينِ ومن أعضاءِ الجاهةِ، ويُعَدُّ مُلزِمًا للجميعِ. (المُعتدي لا يحضُرُ عادةً جلسةَ العَطوةِ).

 

🔹الصُّلحَةُ:

هي الإجراءاتُ التي تقومُ بها الجاهةُ لإحلالِ الوئامِ بدلَ الخصامِ بين العشيرتينِ المتخاصمتينِ. ويتولّى كبيرُ الجاهةِ التنسيقَ بين الطرفينِ لتحديدِ موعدِ المصالحةِ، وتُجرى مراسمُها بحضورِ الجاهةِ والتزامِها بتنفيذِ البنودِ المتفقِ عليها.

 

🔹صَكُّ الصُّلحِ:

هو وثيقةٌ تُكتبُ أمامَ الجاهةِ، تُبيِّنُ ما تمَّ الاتفاقُ عليه بين المتخاصمينِ أثناءَ مراسمِ الصلحِ، ويُوقَّعُ من وجهاءِ الطرفينِ وشهودٍ من الجاهةِ. ويُذكرُ فيه اسمُ "كفيلِ الدِّفا" واسمُ "كفيلِ الوَفا"، ويُعَدُّ الصكُّ مُلزِمًا لجميعِ الأطرافِ.

 

🔹كفيلُ الدِّفَا:

هو الشخصُ الذي يتكفّلُ بحمايةِ العشيرةِ التي كانت قد اعتدت على الأخرى، ويتحمّلُ المسؤوليةَ الأدبيّةَ والاجتماعيةَ عن سلامتِها، ويُعلنُ قبولَهُ بهذه المهمّةِ علنًا باسمِه ونيابةً عن عشيرتِه.

 

🔹كفيلُ الوَفَا:

هو الشخصُ الذي يتعهّدُ بالوفاءِ بجميعِ متطلّباتِ الصلحِ الماديّةِ والماليّةِ، ويُعلنُ استعدادهُ لتحمّلِ التبعاتِ المتَّفقِ عليها باسمِه ونيابةً عن عشيرتِه.

 

🔹 القَظوَةُ:

هي جلسةٌ تُعقَدُ عند أحدِ القضاةِ المعتمدينَ في القضاءِ العشائريِّ، يُستمعُ فيها إلى حُجَجِ الطرفينِ وشهاداتِ الشهودِ، ثمَّ يُصدِرُ القاضي حكمَهُ في القضيةِ. ويكونُ الحكمُ عادةً مُلزمًا وواجبَ التنفيذ. ومن المعروفِ أنَّ القضاءَ العشائريَّ مُتخصِّصٌ بحسبِ نوعِ القضايا، فهناكَ "قاضي الدَّم"، و"قاضي العِرض"، و"قاضي المال".

 

🔹 الدَّخِيلُ:

هو الشخصُ الذي يدخلُ إلى بيتِ أحدِ الأشخاصِ طالبًا الحمايةَ والأمانَ خوفًا من الثأرِ أو الملاحقةِ. فيقبلُ صاحبُ البيتِ دخالتَهُ، ويُطمئنُهُ، ويُعلمُ عشيرتَهُ بذلك لتوفيرِ الحمايةِ للدخيلِ حتى يُحالَ إلى القضاءِ العشائريِّ لاحقًا.

 

🔹تَقطيعُ الوَجهِ:

عندَما تَقومُ الجاهةُ بأخذِ عَطْوَةٍ من المُعْتَدَى عليهِ لِصالِحِ المُعْتَدِي، فإنَّ الاتِّفاقَ بينَ الجاهةِ وتِلكَ العَشيرةِ على عَدَمِ الاعتداءِ على عَشيرةِ المُعْتَدِي أو أحدِ أفرادِها يُعَدُّ مُلزِمًا، إلى أنْ يَقُومَ القَضاءُ العَشائريُّ بالنَّظَرِ في الأَمْرِ.

ويُقالُ عادةً: الجَماعة بوجهِ فُلانٍ، أيْ في حِمايَةِ ورِعايَةِ فُلانٍ.

أمّا في حالِ قيامِ أحدِ أفرادِ العَشيرةِ المُعْتَدَى عليها سابِقًا بِخَرْقِ هذا الاتِّفاقِ واعتَدَى بأيِّ طَريقَةٍ على فَردٍ من عَشيرةِ المُعْتَدِي سابِقًا، فإنَّ هذا الخَرْقَ يُسَمّى "تَقْطيعَ الوَجْهِ"؛ أي إنَّهُ لم يَحْتَرِمْ وجهَ الشَّخْصِ الَّذي يَرأَسُ الجاهةَ السّاعِيَةَ للإصلاحِ، وبالتَّالي فهو لم يَحْتَرِمْ العَشيرةَ الَّتي تَنتَمِي إليها تِلكَ الجاهةُ.

وهُنا تَبْدَأُ مُشْكِلَةٌ جَديدةٌ؛ إذْ سَتُطالِبُ عَشيرةُ الجاهةِ بِحَقِّها المَعْنَوِيِّ أمامَ أحَدِ القُضاةِ العَشائريِّينَ من ذلكَ الشَّخْصِ الَّذي خَرَقَ الاتِّفاقيَّةَ ومِن عَشيرتِهِ الَّتي يَنتمي إليها.  وهي مِن أَصْعَبِ وأَخْطَرِ ما يُعْرَضُ على القَضاءِ، لأنَّ إجراءاتِ القاضي في هذا المَجالِ تَكونُ قاسِيَةً على الشَّخصِ وعَشيرتِهِ ماديًّا ومعنويًّا واجتماعيًّا، حتّى لا يَجْرُؤَ أَحَدٌ على خَرْقِ أيِّ اتِّفاقيَّةٍ مُستقبَلًا، ولِعَدَمِ السَّماحِ لأيٍّ كانَ بِـ "تَقْطيعِ الوَجْه".

 

ملاحظاتٌ حولَ العَطوَةِ:

 

تُراعِي الأعرافُ العشائريّةُ التمييزَ بين أنواعِ العَطواتِ من حيثُ المعنى والدلالةِ. ففي القضايا العاديّةِ تكونُ العطوةُ تامّةً أي تشملُ الجميعَ من دونِ استثناءٍ، بينما في بعضِ الحالاتِ، وخصوصًا الجرائمِ الكبرى كالقَتلِ غَدرًا أو الاغتصابِ أو التشويهِ، قد يقبلُ ذوو المجنيّ عليه عَطوةً ناقصةً، أي يستثنونَ الجانيَ نفسَهُ من الحمايةِ خلالَ مدّتِها، ويبقى عُرضةً للثأرِ من أهلِ المقتولِ.

وتُرافِقُ العَطوةَ إجراءاتٌ تقليديّةٌ أخرى، منها: الجَلوةُ (ترحيلُ أهلِ الجاني)، وفِراشُ العَطوةِ (مكانُ توقيعِها)، وتقطيعُ الوجهِ في حالِ خَرقِ الاتفاقِ.

وتُراعِي الأعرافُ القَضائِيَّةُ والعشائريّةُ في المُجْتَمَعِ الأُرْدُنِيِّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ أَنْواعِ العَطَواتِ في الدَّلالاتِ وَالمَعاني لِلأَلْفاظِ الصَّادِرَةِ أَثْناءَ الاتِّفاقِ عَلَيْها. وَقَدِ اسْتَقَرَّ العُرْفُ عَلى أَنَّ جَميعَ القَضايا وَالاعْتِداءاتِ العادِيَّةِ تَكُونُ العَطْوَةُ تامَّةً فيها، أَي لا يُوجَدُ بِها تَحَفُّظاتٌ أَوْ شُروطٌ إِذا اشْتَمَلَتْ عَلى جَميعِ ما يَخُصُّ المُتَّهَمَ، حَيْثُ يَتَمَتَّعُ الجَميعُ بِالحِمايَةِ الَّتي تَمَّ الاتِّفاقُ عَلَيْها.

بينما في بعضِ الحالاتِ، وخصوصًا الجرائمِ الكبرى كالقَتلِ غَدرًا أو الاغتصابِ أو التشويهِ، قد يَقبلُ ذوو المجنيّ عليه عَطوةً ناقصةً، أي يستثنونَ الجانيَ نفسَهُ من الحمايةِ خلالَ مدّتِها، ويبقى عُرضةً للثأرِ من أهلِ المقتولِ. وَفي بَعْضِ الحَالاتِ يَتَشَدَّدُ ذَوُو المَجْنِيِّ عَلَيْهِ في قَبولِ العَطْوَةِ عَنِ الجاني، وَيَقْبَلونَها عَلى سَبيلِ الحَصْرِ بِذَوِيهِ، وَيُسْتَثْنَى مِن مَبْدَإِ الحِمايَةِ الجاني نَفْسُهُ، حَيْثُ يَكُونُ خِلالَ مُدَّةِ العَطْوَةِ مُعَرَّضًا لِلاعْتِداءِ أَوِ الثَّأْرِ مِن قِبَلِ ذَوِي المُعْتَدَى عَلَيْهِ (المَجْنِيِّ عَلَيْهِ). وَبِذَلِكَ تَكُونُ العَطْوَةُ ناقِصَةً، إِذِ اسْتَثْنَتِ الجاني مِنَ الاسْتِفادَةِ مِن أَحْكامِ الحِمايَةِ.

وَعادَةً ما تُجْرَى المُوافَقَةُ عَلَيْها مِن قِبَلِ الجَميعِ، بِمَا فيهِم ذَوُو الجاني، إِذا كانَ الأَخِيرُ قَدِ ارْتَكَبَ فِعْلًا إِجْرامِيًّا شَنِيعًا أَوْ مُشِينًا كَالسَّرِقَةِ، أَوِ القَتْلِ، أَوِ الاغْتِصابِ، أَوِ التَّشْوِيهِ بِالْمَقْتُولِ، أَوْ غَيْرِها مِنَ الانْحِرافاتِ الجُرْمِيَّةِ الَّتي يَتَّبِعُ فيها الجاني أُسْلوبًا يَدُلُّ عَلى نَفْسِيَّةٍ إِجْرامِيَّةٍ شِرِّيرَةٍ.

وَيُصاحِبُ العَطْوَةَ العَشَائِرِيَّةَ بَعْضُ الإِجْراءاتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ أَفْرادِ المُجْتَمَعِ الأُرْدُنِيِّ، وَيَلْتَزِمُ بِها الجاني، وَمِنها: الجَلْوَةُ، وَفِراشُ العَطْوَةِ، وَكَذَلِكَ جَرَائِمُ تَقْطِيعِ الوَجْهِ.

 

 

أنواعُ العَطواتِ العشائريَّةِ:

 

تعريفُ العَطوَةِ:

 

هي الهُدْنَةُ الَّتي يُعْطِيها المُعْتَدَى عليهِ أو ذَوُوهُ إلى المُعْتَدِي أو ذَوِيهِ، وتَكونُ عِبارَةً عن مُهْلَةٍ زَمَنِيَّةٍ لِيَتَسَنّى لَهُم تَرتيبُ أَوْضاعِهِم والابْتِعادُ عن مَناطِقِ ارتِكابِ الجَريمَةِوتُعَدُّ العَطْوَةُ مِن العاداتِ والأعرافِ الاجْتِماعيَّةِ المُسْتَحْدَثَةِ؛ فَقَدْ كانت الدِّخالَةُ في الماضي تَقُومُ مَقامَها، ويُلجَأُ إليها في القَضايا الجِنائيَّةِ عندَ حُدوثِ جَرائِمِ الضَّرْبِ أو الاعتِداءِ أو القَتْلِ أو المَساسِ بالعِرْضِ.

ويَتَوَسَّطُ بينَ الطَّرَفَيْنِ لِلحُصولِ على العَطْوَةِ مَجْمُوعَةٌ مِن الوُجَهاءِ وذَوِي الشَّأنِ مِمَّن يَتَمَتَّعُونَ بِالمَكانَةِ المُرْمُوقَةِ في المُجْتَمَعِ. ويَتِمُّ التَّوَصُّلُ إليها مِن خِلالِ ذَهابِ مَجْمُوعَةٍ مِنهُم إلى ذَوِي المُعْتَدَى عليه، وتُسَمَّى هذِهِ المَجْمُوعَةُ "الجاهَةَ"، حيثُ يَتم التفاوَضُ مَعَهُم لِلحُصولِ على هذِهِ الهُدْنَةِ مِن خِلالِ جُهودِ أَشخاصٍ آخَرينَ مِن غَيْرِ طَرَفَيِ النِّزاعِ، يَتَمَيَّزونَ بِالْخِبْرَةِ والتَّجْرِبَةِ في إِجْراءاتِ الصُّلْحِ وتَطْييبِ خَواطِرِ ذَوِي المَجْنِيِّ عليهِ.

ويُقْصَدُ مِن العَطْوَةِ أَيْضًا كَفُّ أَيْدِي أَهْلِ المَجْنِيِّ عليهِ عَنِ الاعتِداءِ على الجاني أو ذَوِيهِ، ويُنَظَّمُ بِذلِكَ صَكٌّ خاصٌّ يُسَمّى "صَكَّ العَطْوَةِ العَشَائِرِيَّةِ"، يُوقَّعُ عليهِ ويُنْتَدَبُ لِهذِهِ الغايَةِ كَفِيلانِ يُعْرَفانِ بِـ كَفِيلِ الدِّفا وَ كَفِيلِ الوَفا.

ولِلعَطْوَةِ دورٌ بارِزٌ تَمهِيدِيٌّ في إنْهاءِ النِّزاعِ وحَلِّ سَبَبِ الخِصامِ، وحِمايَةِ الأرْواحِ وَالمُمْتَلَكاتِ، والْحَدِّ مِن تَوَسُّعِ آثارِ الجَريمَةِ إلى أَفْرادٍ آخَرينَ لَيْسَ لَهُم ذَنْبٌ أو صِلَةٌ بِما ارْتُكِبَ، وخاصَّةً ذَوِي الجانيوتُساهِمُ العَطْوَةُ في هذَا المَجالِ بِما تُقَدِّمُهُ مِن إِجْراءاتٍ ومُساهَماتٍ في مُخْتَلَفِ مَراحِلِ الجَريمَةِ، حَيْثُ وُضِعَ لِكُلِّ مَرحَلَةٍ مِن مَراحِلِها نَوْعٌ خاصٌّ مِن العَطْوَةِ وهذه الانواع موضحة كما يلي.

 

أ) العَطْوَةُ الأَمْنِيَّةُ:

تُعْطى مِن قِبَلِ عَشيرَةِ ذَوِي المَجْنِيِّ عليهِ، بِوَاسِطَةِ لَجْنَةِ الصُّلْحِ أو الطَّرَفِ الَّذي تَمَّتِ الاسْتِجارَةُ بِهِ مِن غَيْرِ ذَوِي المَجْنِيِّ عليه. ويُكْتَبُ صَكُّها بِوُجودِ مَنْدُوبَيْنِ عنِ السُّلْطَةِ الرَّسْمِيَّةِ، مِن الأمْنِ العَامِّ و وِزارَةِ الدّاخِلِيَّةِ، وذلكَ عَلى أَثَرِ وُقوعِ الجَريمَةِ.  وتُعَدُّ هذِهِ العَطْوَةُ مِن أَقْصَرِ أَنْواعِ العَطَواتِ مُدَّةً – عادةً ثلاثةُ أيّامٍ وثلثُ اليوم – ، لِكَونِها تَأتي فَوْرَ الحادِثِ ولِغايَةِ تَهدِئَةِ الأَوْضاعِ. وتُعَدُّ تَهْيِئَةً لِعَطْوَةِ الِاعْتِرافِ.

تَأْتِي هذِهِ العَطْوَةُ في المَراحِلِ الأُولَى لِوُقوعِ الجَريمَةِ، وتُسَمَّى «دَعْوَةَ الإِمْهالِ»، لِأَنَّها تَعْنِي إِعْطاءَ مُدَّةٍ زَمَنِيَّةٍ قَصِيرَةٍ لِتَسْوِيَةِ الأُمُورِ المُسْتَعْجَلَةِ.

 

ب) عَطْوَةُ الِاعْتِرَافِ:

تُؤْخَذُ بَعْدَ انْتِهاءِ مُدَّةِ العَطْوَةِ الأَمْنِيَّةِ، وتَتَضَمَّنُ اعْتِرافَ المُتَّهَمِ بِالجَريمَةِ.
وَتَلِيها «عَطْوَةٌ عَلَى حَقٍّ»، وَفِيهَا يَكُونُ المُتَّهَمُ غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِالفِعْلِ الَّذي اُتُّهِمَ بِهِ، وَفِي هذِهِ الحالَةِ يُتِمُّ تَحْكِيمُ الأَعْرافِ القَضائِيَّةِ مِن خِلالِ مَحْكَمَةٍ عَشائِرِيَّةٍ خاصَّةٍ لِمَعْرِفَةِ ما إِذا كانَ قَدْ قَامَ بِفِعْلِهِ أَمْ لا. وَتَتِمُّ إِجْراءاتُ هذِهِ العَطْوَةِ بِتَسْهِيلٍ وَتَدَخُّلٍ مِن قِبَلِ الأَمْنِ العَامِّ كَمُمَثِّلٍ لِلسُّلْطَةِ الرَّسْمِيَّةِ.

 

ج) عَطْوَةُ الإِقْبَالِ:

وَتَأْتِي هذِهِ العَطْوَةُ عِندَ اسْتِعْدادِ ذَوِي المُتَضَرِّرِ لِاسْتِقْبالِ الجاهَةِ، حَيْثُ يُتَفاوَضُ خِلالَها لِوَضْعِ حَدٍّ لِمَوْضوعِ النِّزاعِ. وَتُعْطَى مِن قِبَلِ ذَوِي المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالتَّنْسِيقِ مَعَ عَشيرَتِهِم، وَتَتَضَمَّنُ رِضاهم وَمُوافَقَتَهم عَلى القِيامِ بِإِجْراءاتِ الصُّلْحِ. وَتَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ هذِهِ العَطْوَةِ فِي جَرائِمِ القَتْلِ خُصُوصًا، إِذْ تُعَدُّ المَرحَلَةَ الأَكْثَرَ حَساسيَّةً في طَريقِ الصُّلْحِ النِّهائِيِّ.

 

د) عَطْوَةُ الحَقِّ:

هي العَطوةُ التي تُؤخذُ بعدَ صدورِ حكمٍ قضائيٍّ قطعيٍّ بثبوتِ الجُرمِ على المتَّهمِ. وفيها يُعترَفُ رسميّاً بحقِّ ذوي المجنيّ عليه، وتُمنَحُ تمهيداً لإجراءِ الصلحِ النهائيّ بين العشيرتين.وَتَتَضَمَّنُ هذِهِ العَطْوَةُ اعْتِرافَ المُتَّهَمِ، إِمّا مُباشَرَةً أَوْ مِن خِلالِ اعْتِرافِ ذَوِيهِ بِارْتِكابِهِ الجَريمَةَ. وَقَدْ يَكُونُ المُتَّهَمُ مَجْهُولًا أَوْ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ إِتْيانُهُ الفِعْلَ الإِجْرامِيَّ، أَوْ مُنْكِراً لَهُ، وَلَكِنْ بَعْدَ تَوافُرِ القَرائِنِ وَالأَدِلَّةِ الَّتي تُقَرِّبُ الشَّكَّ حَوْلَ المُتَّهَمِ، تُعْطَى العَطْوَةُ مِن قِبَلِ ذَوِي المَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَتّى ثُبُوتِ الحَقِّ. وَيَكُونُ ذَلِكَ بِصُدُورِ قَرارٍ مِنَ المَحْكَمَةِ الَّتي وَقَعَتِ الجَريمَةُ في نِطاقِ اخْتِصاصِها، عَلى أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ قَدِ اكْتَسَبَ دَرَجَةً قَطْعِيَّةً وَنِهائِيَّةً. وَتُؤْخَذُ هذِهِ العَطْوَةُ بَعْدَ صُدُورِ الحُكْمِ بِإِدانَةِ المُتَّهَمِ الَّذي تَأَكَّدَ قِيامُهُ بِالفِعْلِ الإِجْرامِيِّ، تَمْهِيدًا لِإِجْراءِ الصُّلْحِ النِّهائِيِّ.

 

وتُراعِي الأعرافُ القَضائِيَّةُ والعشائريّةُ في المُجْتَمَعِ الأُرْدُنِيِّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ أَنْواعِ العَطَواتِ في الدَّلالاتِ وَالمَعاني لِلأَلْفاظِ الصَّادِرَةِ أَثْناءَ الاتِّفاقِ عَلَيْها. وَقَدِ اسْتَقَرَّ العُرْفُ عَلى أَنَّ جَميعَ القَضايا وَالاعْتِداءاتِ العادِيَّةِ تَكُونُ العَطْوَةُ تامَّةً فيها، أَي لا يُوجَدُ بِها تَحَفُّظاتٌ أَوْ شُروطٌ إِذا اشْتَمَلَتْ عَلى جَميعِ ما يَخُصُّ المُتَّهَمَ، حَيْثُ يَتَمَتَّعُ الجَميعُ بِالحِمايَةِ الَّتي تَمَّ الاتِّفاقُ عَلَيْها.

بينما في بعضِ الحالاتِ، وخصوصًا الجرائمِ الكبرى كالقَتلِ غَدرًا أو الاغتصابِ أو التشويهِ، قد يَقبلُ ذوو المجنيّ عليه عَطوةً ناقصةً، أي يستثنونَ الجانيَ نفسَهُ من الحمايةِ خلالَ مدّتِها، ويبقى عُرضةً للثأرِ من أهلِ المقتولِ. وَفي بَعْضِ الحَالاتِ يَتَشَدَّدُ ذَوُو المَجْنِيِّ عَلَيْهِ في قَبولِ العَطْوَةِ عَنِ الجاني، وَيَقْبَلونَها عَلى سَبيلِ الحَصْرِ بِذَوِيهِ، وَيُسْتَثْنَى مِن مَبْدَإِ الحِمايَةِ الجاني نَفْسُهُ، حَيْثُ يَكُونُ خِلالَ مُدَّةِ العَطْوَةِ مُعَرَّضًا لِلاعْتِداءِ أَوِ الثَّأْرِ مِن قِبَلِ ذَوِي المُعْتَدَى عَلَيْهِ (المَجْنِيِّ عَلَيْهِ). وَبِذَلِكَ تَكُونُ العَطْوَةُ ناقِصَةً، إِذِ اسْتَثْنَتِ الجاني مِنَ الاسْتِفادَةِ مِن أَحْكامِ الحِمايَةِ.

وَعادَةً ما تجْرَى المُوافَقَةُ عَلَيْها مِن قِبَلِ الجَميعِ، بِمَا فيهِم ذَوُو الجاني، إِذا كانَ الأَخِيرُ قَدِ ارْتَكَبَ فِعْلًا إِجْرامِيًّا شَنِيعًا أَوْ مُشِينًا كَالسَّرِقَةِ، أَوِ القَتْلِ، أَوِ الاغْتِصابِ، أَوِ التَّشْوِيهِ بِالْمَقْتُولِ، أَوْ غَيْرِها مِنَ الانْحِرافاتِ الجُرْمِيَّةِ الَّتي يَتَّبِعُ فيها الجاني أُسْلوبًا يَدُلُّ عَلى نَفْسِيَّةٍ إِجْرامِيَّةٍ شِرِّيرَةٍ.

وَيُصاحِبُ العَطْوَةَ العَشَائِرِيَّةَ بَعْضُ الإِجْراءاتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ أَفْرادِ المُجْتَمَعِ الأُرْدُنِيِّ، وَيَلْتَزِمُ بِها الجاني، وَمِنها: الجَلْوَةُ، وَفِراشُ العَطْوَةِ، وَكَذَلِكَ جَرَائِمُ تَقْطِيعِ الوَجْهِ.

 

عاداتٌ ومُصطلحاتٌ عَشائريَّةٌ إضافيَّة

 

🔹الفَزْعَةُ:

هي من أبرزِ قيمِ النَّخوةِ والتَّضامُنِ عندَ العشائرِ. وتعني سُرعةَ استجابةِ أفرادِ العشيرةِ لِنجدةِ أحدِ أبنائِها أو حُلفائِها عندَ تعرُّضِهم لموقفٍ صعبٍ، كالنزاعاتِ أو الكوارثِ أو الحاجةِ للدِّفاعِ. ويُقالُ:  فَزَعَ فُلانٌ لِفُلانٍ، أي وقفَ إلى جانبهِ وساعَدَهُ، وتُعدُّ الفزعةُ مِقياسًا للشَّهامةِ والمرُوءةِ.

 

🔹النَّخْوَةُ:

هي نداءُ العِزِّ والأنَفةِ الذي يَجمعُ أفرادَ العشيرةِ تحتَ اسمٍ أو لَقَبٍ يرمزُ إليهم، مثل: عيالُ فلانٍ أو سيوفُ العِزّ. ويُعَدُّ التَّأخُّرُ عن تلبيةِ النَّخوةِ عيبًا كبيرًا في المروءةِ والشَّرفِ، إذ تُجسِّدُ النخوةُ روحَ الانتماءِ والوَحدةِ بين أبناءِ القبيلةِ.

 

🔹الفزْعَةُ فِي الدَّمِ:

هي الفزعةُ التي تقعُ عقبَ حادثةِ قَتلٍ، إذ يهبُّ أبناءُ العشيرةِ سريعًا لاحتواءِ الموقفِ ومنعِ تدهورِه، وذلك بالسَّعي إلى أخذِ العَطوةِ الأمنيَّةِ وتهدئةِ النفوسِ. وتُعَدُّ من أرفعِ مظاهرِ المسؤوليةِ الاجتماعيَّةِ في العُرفِ العشائريِّ.

 

🔹الرَّبَاعَةُ:

هي مساعدةٌ جماعيَّةٌ يقدِّمُها أبناءُ العشيرةِ أو الجيرانُ لأحدِ أفرادِهم في بناءِ بيتٍ أو إقامةِ مناسبةٍ أو في حالةِ ضائقةٍ أو كارثةٍ. وتُظهرُ الرَّبَاعةُ روحَ التَّعاونِ والتَّكافلِ، وهي من خِصالِ الكرمِ والمودَّةِ في المجتمعاتِ العشائريَّةِ.

 

🔹القَطِيعَةُ:

هي مقاطعةٌ اجتماعيَّةٌ أو رمزيَّةٌ تُفرَضُ على شخصٍ أو عشيرةٍ لعدمِ احترامِهم الأعرافَ أو ارتكابِهم خطأً جسيمًا. وغالبًا ما تُرفَعُ القَطيعةُ بعدَ تدخلِ الجاهاتِ أو بعدَ إتمامِ الصُّلحِ.

 

🔹 الجَاهَةُ الكَبِيرَةُ (جَاهَةُ الصُّلْحِ العَامِّ):

هي جاهةٌ واسعةٌ تضمُّ كبارَ الشيوخِ والوجهاءِ من عدّةِ عشائرَ، وتُرسَلُ بعدَ سلسلةٍ من العطواتِ لتكونَ جاهةَ الإصلاحِ النهائيِّ الّتي تُعلنُ طيَّ صفحةِ الخِلافِ وإعادةَ الوِئامِ بين الطَّرفينِ.

 

🔹 الذِّبَاحُ والعَطَايَا:

بعدَ إتمامِ الصُّلحِ، تُقامُ مأدبةٌ كبيرةٌ تُسمَّى الذَّبيحة أو الصلحة، تُقدَّمُ فيها الذبائحُ والقهوةُ العربيَّةُ للجاهةِ والطَّرفينِ المتصالحينِ، وتُعَدُّ رمزًا لانتهاءِ الخِلافِ وعودةِ الصفاءِ والمحبَّةِ بين العشيرتينِ.

 

 

🔹بَيْتُ الشَّعَرِ والمِقْعَدُ:

هو المقرُّ التقليديُّ الذي تُعقَدُ فيه الجاهاتُ وتُقامُ فيه الضِّيافةُ. ويُسمَّى أيضًا المَضيفَ أو المِقعَدَ. ويُعدُّ بيتُ الشَّعرِ رمزًا للكرمِ والمروءةِ، ويَجلَسُ فيه الضيوفُ وفقَ مكانتِهم الاجتماعيَّةِ: فالشيخُ أولًا، ثم الوجهاءُ، ثم سائرُ الحضورِ.

 

🔹فَكُّ النِّزَاعِ (التَّحكِيمُ العَشَائِرِيُّ):

إذا لم تُحلَّ المشكلةُ بالعَطوةِ أو الجاهةِ، تُحالُ إلى أحدِ القضاةِ العشائريِّينَ المختصِّينَ، مثل: قاضي الدَّمِ أو قاضي العِرضِ أو قاضي المالِ، لِيَفصِلَ في النِّزاعِ وفقَ الأعرافِ المُتَّبَعةِ والمواثيقِ العشائريَّةِ.

 

🔹العَطوَةُ الحِرْمَانِيَّةُ:

هي عطوةٌ خاصَّةٌ تُمنَحُ مع استثناءِ الجاني من مظلَّةِ الحمايةِ، فتشملُ ذويه فقط دونَهُ، وتُؤخَذُ عادةً في الجرائمِ الخطيرةِ كالقَتلِ الغادرِ أو الاغتصابِ أو التَّشويهِ. وتُستخدَمُ لإظهارِ الغضبِ الشديدِ مع الإبقاءِ على فرصِ الصُّلحِ لاحقًا.

 

🔹فِرَاشُ العَطوَةِ:

هو المكانُ الذي تُعقَدُ فيه مراسمُ أخذِ العَطوةِ أو الصلحِ، وغالبًا يكونُ في ديوانِ أحدِ الوجهاءِ. ويُعدُّ الفِراشُ مَكانًا مُحترمًا تُراعَى فيه هيبةُ الكلامِ وتقاليدُ المجالسِ.

 

🔹الرَّايَةُ البَيضَاءُ:

يرفعُها أفرادُ الجاهةِ أو المصلحونَ أثناءَ ذهابِهم لطلبِ العَطوةِ، وترمزُ إلى السلامِ والنِّيَّةِ الصادقةِ للإصلاحِ، ويُحرَّمُ التعرُّضُ لها أو لأصحابِها بأيِّ أذًى.

 

الجَاهَاتُ العَشَائِرِيَّةُ

تُعَدُّ الجاهةُ من أبرزِ مظاهرِ التقاليدِ العشائريةِ الأصيلةِ في المجتمعِ العربيِّ والأردنيِّ على وجهِ الخصوص، وهي وفدٌ رسميٌّ من وجهاءِ العشيرةِ وكبارِها يُمثِّلُها في المواقفِ الاجتماعيةِ الكبرى،  الخطوبةِ، أو طلبِ العَطوةِ، أو إتمامِ الصلحِ. وتُجسِّدُ الجاهةُ مفهومَ الاحترامِ، والمكانةِ، والتكافلِ الاجتماعيِّ بين العشائرِ، وتُبرزُ ما تتمتّعُ به من كرمِ الأخلاقِ وحكمةِ التعاملِ في معالجةِ القضايا العامّة. وفيما يلي أبرزُ أنواعِ الجاهاتِ وأهمُّ مهامِّها:

 

🔹أوّلاً: جَاهَةُ العُرْسِ أو الخطُوبَةِ

هي جاهةٌ كريمةٌ من وجهاءِ العشيرةِ وأقاربِ العريسِ وأصدقائِه، تُرسَلُ إلى بيتِ العروسِ وأهلِها لطلبِ يدِها رسميًّا على سُنّةِ اللهِ ورسولِه، وفقًا للعاداتِ والتقاليدِ العشائريةِ الراسخة.

تُعدّ جاهةُ الخطوبةِ رمزًا للوجاهةِ والاحترامِ والمروءةِ، إذ لا يُقدِمُ العريسُ أو ذَووه على الخطوبةِ إلّا من خلالِ جاهةٍ تعبِّرُ عن مقامِهم الاجتماعيّ. وتُؤدّي الجاهةُ مهمتها بأدبٍ جمٍّ وأسلوبٍ لبقٍ، فيطلبُ المتحدّثُ باسمِها يدَ العروسِ رسميًّا، ويُعبّرُ عن تقديرِهم للعائلةِ الأخرى، ثم يُستمعُ إلى ردِّ أهلِ العروسِ بالقبولِ أو الرفضِ.

ويُختَتمُ اللقاءُ عادةً بتقديمِ القهوةِ العربيةِ الأصيلة، فيكون شربُها علامةً على القَبولِ والموافقةِ، أمّا الامتناعُ عنها فيُعدّ رفضًا ضمنيًّا للطلب. وتُجسِّدُ جاهةُ الخطوبةِ روحَ الألفةِ والتكافلِ بين العشائر، وهي من أجملِ العاداتِ التي تَجمعُ بين الكرامةِ والاحترامِ وصونِ المقامِ.

 

🔹ثانياً: جَاهَةُ العَطْوَةِ

هي وفدٌ من وجهاءِ العشيرةِ وأهلِ الرأيِ فيها، يُرسَلُ إلى العشيرةِ المعتدى عليها بطلبٍ رسميٍّ من عشيرةِ المعتدي، لغرضِ طلبِ العَطوةِ؛ وهي الهدنةُ الزمنيّةُ التي تُمنَحُ لتهدئةِ النفوسِ ووقفِ أعمالِ الثأرِ، تمهيدًا للشروعِ في إجراءاتِ الصلحِ.

تُعتبرُ جاهةُ العَطوةِ من أكثرِ الجاهاتِ حساسيّةً وأهميّةً، إذ تتطلّبُ دقّةً في الخطابِ، وحرصًا على اختيارِ الوجوهِ المعتبرةِ التي تحظى بالقبولِ لدى الطرفين.

وتُعنى الجاهةُ بما يلي:

  1. طلبُ العَطوةِ رسميًّا وبيانُ نوايا السّلامِ وحقنِ الدماءِ.

  2. التفاهمُ على مدّةِ العَطوةِ وشروطِها بحضورِ الوجهاءِ وممثّلي السّلطةِ الرسميّةِ إن لزم الأمر.

  3. توقيعُ صكِّ العَطوةِ العشائريةِ، وبيانُ أسماءِ كفيلِ الدَّفا وكفيلِ الوفا لضمانِ الالتزامِ بالاتفاق.

  4. ضمانُ احترامِ الهدنةِ ومنعُ أيّ اعتداءٍ أو تجاوزٍ بين الطرفين حتى تُستكمَلَ مراحلُ الصلحِ النهائيّ.

وتُجسِّدُ جاهةُ العَطوةِ روحَ العقلِ والتسامحِ وضبطِ النفسِ، وتُبرزُ القيمَ العشائريةَ الرفيعةَ في السعيِ للإصلاحِ وإيقافِ الفتنةِ قبلَ تفاقُمِها.

 

🔹ثالثاً: جَاهَةُ الصُّلْحِ

هي الجاهةُ التي تُرسَلُ بعد انتهاء مدّةِ العطوةِ من أجلِ إجراءِ مراسمِ الصلحِ النهائيّ بين العشيرتين المتخاصمتين، وتُعَدُّ أرفعَ الجاهاتِ مكانةً وأشرفَها مقصدًا، لأنها تُنهي الخصامَ وتعيدُ الصفاءَ والوِئامَ.

تتكوَّنُ من شيوخٍ ووجهاءِ العشائرِ، وقد تضمُّ رجالَ الدِّينِ أو شخصيّاتٍ رسميّةً دعمًا لمقامِ الصلحِ وهيبتِه.

وتتولّى الجاهةُ ما يلي:

  1. إعلانُ انتهاء الخلافِ رسميًّا ودعوةُ الطرفين إلى العفوِ والتسامحِ.

  2. إلقاءُ الكلمةِ الطيّبةِ والموعظةِ الحسنةِ لتقريبِ القلوبِ وتهدئةِ النفوسِ.

  3. توقيعُ صكِّ الصلحِ الذي يُبيّنُ ما تمَّ الاتفاقُ عليه من دِيَةٍ أو تعويضٍ أو شروطٍ، ويُوقّعُ عليه الوجهاءُ وكفلاءُ الدفا والوفا.

  4. إقامةُ مراسمِ الصلحِ العلنيةِ، حيث تُقدَّمُ قهوةُ السِّلمِ التي يرمزُ شربُها إلى الموافقةِ والرضا بين العشيرتين.

وتُعتَبرُ جاهةُ الصلحِ تتويجًا للجهودِ الإصلاحيّةِ التي تَسعى إلى رأبِ الصدعِ ولمّ الشملِ، وهي مظهرٌ من مظاهرِ الوعيِ الاجتماعيِّ والسموّ الأخلاقيّ في ثقافةِ العشائرِ العربيةِ.

 

🔹رابعاً: جَاهَةُ الحَادِثِ أو الوَاقِعَةِ المُرُورِيَّةِ

هي جاهةٌ عشائريةٌ تُرسَلُ إلى ذوي المتضرّر في الحوادثِ المروريّةِ أو غيرها من الحوادثِ العرضيّة  التي قد تُفضي إلى وفاةٍ أو إصابةٍ أو ضررٍ جسيمٍ بالممتلكات. وتأتي هذه الجاهةُ طلبًا للعَطوةِ المروريّةِ أو للتهدئةِ الأُولى، بهدفِ ضبطِ النَّفْسِ واحتواءِ الموقفِ ومنعِ تطوّره إلى خصومةٍ أو ردّ فعلٍ غاضبٍ.

تُعدّ جاهةُ الحادثِ أحدَ المظاهرِ الحديثةِ للأعرافِ العشائريّة التي استمرّت بروحها رغم تطوّر القوانينِ المدنيةِ والمروريّة، إذ تهدفُ إلى الموازنةِ بين القانونِ والعُرفِ في معالجةِ مثل هذه الحوادث.

وتتكوَّنُ الجاهةُ من:

  • شيخ العشيرة أو أحد الوجهاءِ المعتبرين فيها، وعددٍ من وجهاء العشائرِ المجاورةِ أو أصدقاءِ الطرفين، وغالبًا ما تُنسَّقُ الجاهةُ بالتعاونِ مع الجهاتِ الرسميّةِ كالأمنِ العامّ أو المحافظِ لضمانِ سلامةِ الإجراءاتِ وشفافيتِها.

أمّا مهامُّ جاهةِ الحادثِ المروريّ فهي:

  1. زيارةُ ذوي المتضرّر فور وقوع الحادثِ، لتقديمِ الاعتذارِ وطلبِ العَطوةِ المروريّةِ (التي تُعرفُ بعَطوةِ الأمنِ أو عَطوةِ السَّير).

  2. التأكيدُ على أنَّ الحادثَ غيرُ مقصودٍ، وتهدئةُ النفوسِ وحثُّ الجميعِ على الصبرِ والتأنّي حتى تظهرَ نتائجُ التحقيقِ الرسميّ.

  3. تنظيمُ صكِّ العَطوةِ المروريّةِ بإشرافٍ رسميٍّ، وتحديدُ مدّتِها وشروطِها بما يضمنُ حقوقَ جميعِ الأطراف.

  4. المشاركةُ في إجراءاتِ الصلحِ النهائيّ بعد صدورِ القرارِ القضائيّ أو تسويةِ الأمرِ وديًّا بين الطرفين.

وتُجسِّدُ جاهةُ الحادثِ أو الواقعةِ المروريّةِ روحَ الترابطِ والمسؤوليّةِ الاجتماعيّةِ بين أبناءِ العشائر، فهي لا تُلغِي القانونَ، بل تُساندُهُ وتُسهِمُ في تهدئةِ الموقفِ، وتُرسِّخُ قيمةَ ضبطِ النَّفسِ والاحتكامِ إلى العُرفِ والعقلِ قبل أيّ انفعالٍ أو ردّ فعلٍ سلبيّ.